خريطة الديانة الشامانيّة

خريطة الديانة الشامانيّة
انتشرت في الماضي ديانة روحيّة اسمها ديانة الشامان، أيّ الحكماء، واتّسع انتشار هذه الديانة القديمة على مساحات واسعة من هذا العام، من شرق المتوسط غرباً عبر آسيا شرقاً وصولاً إلى اليابان وإندونيسيا وأستراليا وأميركا الشماليّة ودائرة القطب الشمالي. يُعتقد أنّ منبع تعاليم هذه الديانة هو وسط آسيا، إلّا أنّ شدّة ارتباط ميثولوجيا الشامان بالماء تجعلني أميل إلى الآراء التي ترى أن ولادة هذه الفلسفة كانت في أرضٍ غنيّة بالمياه والجليد، شمالاً أكثر اتجاه سيبيريا، قبل تحوّلها إلى ديانة.
 
كلمة شامان بلفظها الحديث وصلتنا من أحد لهجات شعب “اونکی” الذي سكن جنوب غرب آسيا في إيران الحالية، وكلمة اونكى أو اوڤنكى بالفارسيّة المعاصرة تعني “الشعب الغير مرغوب به”، وتنحدر أصول هذا الشعب إلى شعب شيوايى المهاجر من منشوريا شرق آسيا باتجاه الغرب حوالي ١٦٠٠ قبل الميلاد. تتكوّن كلمة شامان أساساً من مقطعين: شام أو شَم واللاحقة مان أو مِّن، تعني كلمة “شام” حكمة، أو روح الحكمة، وتتبعها اللّاحقة “مان” بغرض الجمع، فتصبح الكلمة “ذوي روح الحِكَم” أو ببساطة “الحكماء”. ويَعتبر أتباع الشامان أنّ الروح واحدة، بالتالي فإنّ مخاطبة الفرد بصيغة الجمع هي الطريقة الصحيحة لمخاطبة الشخص الحكيم، كون الروح متّصلة وجميع الحكماء روح واحدة، وكون الحكيم هو الرجل الأقرب إلى الروح العظمى، لذا يُطلقون على الحكيم منهم لقب شامان بصيغة الجميع، التي تُترجم حرفيّاً إلى حِكَم.
 
اختصّ الشامان، رجال الدين في الشامانيّة، بالطبّ ومارسوا علاج الأمراض والآفات الجسديّة والنفسيّة من خلال التواصل مع الروح العظمى لبثّ القوّة في الجسد التعب، كي يتمكّن من علاج نفسه، مفترضين أنّهم الأقرب إلى الروح العظمى وصلة وصل قويّة بالروح الكليّة لبّ العالم. وقد ارتحل منهم الآلاف خلال القرون الماضية يجولون بين المدن ويقدّمون خدمات العلاج مقابل المأكل والمشرب، بغضّ النظر عن ديانة المريض، ما جعل من كلمة حكيم في العربيّة مثلاً مرادفاً للطبيب المعالج، الكلمة التي لم تزل حيّة في لهجات العربيّة حتّى اليوم. ولم تتغيّر نظرة الشعوب الشرقيّة إلى الحكماء الشامان كمعالجين إلا بعد تقدّم علوم الطب في المجتمعات المسلمة.
 
يعتقد الشامان أن جميع المخلوقات في هذا العام أتت من روح واحدة عظمى يسمّونها “كَ إيلّا”، هذه الروح خَلقت المادّة وتتحكّم بها، وما المادّة إلا قشور جافّة على حافة الروح الحيّة، قد تذوب فيها وتعود روحاً من جديد. ويؤمنون بأنّ الروح لا تنفصل، فليس من أرواح، إنّما كلّ الحياة روح واحدة تتشكّل قشورها بأشكال متعدّدة ثمّ تعود إلى الروح الأولى.
 
يعتقد الشامان أنّ أصل الوجود هو الماء، حيث يؤمنون بأنّ كوكب الأرض كان أساساً قطرة كبيرة من الماء السائل، تساقطت فيها الصخور من الفضاء وكوّنت الأرض التي نمشي عليها اليوم.
 
كذلك يعتقد الشامان أنّ أساس الحياة هو الرجل، حيث خَلقت الروح العظمى “ك إيلّا” الرجال أوّلاً، لكنّهم تقاتلوا فيما بينهم وجعلوا القوّة والبطش أساس التنافس والتفاضل، ما أدّى إلى ظُلم الضعيف من الرجال، لذا خلقت الروح العظمى “ك إيلّا” النساء، فوُلدت الإنسانيّة من اجتماع المرأة بالرجل.
 
يعتقد الشامان كذلك أنّ أساس الخلق هو الإنسان، ثمّ سألت امرأة الروح العظمى “ك إيلّا” أن تجعل للإنسان بعض الطعام الحيّ، فأخرجت الأسماك من بين شقوق الصخور، ثمّ تبعتها بقيّة الحيوانات، حتّى خرج الوعل “إيل” ليكون أجمل المخلوقات على الإطلاق. بعد حين بدأت بعض الحيوانات تضعف وتتألّم فتألّمت لها المرأة واشتكت ل”ك إيلّا” ، فأرسل روحاً جديدة هي الذئب كي يأكل الحيوانات الضعيفة والمريضة، من أجل الحفاظ على عالم متوازن وبصحّة جيّدة.
 
يعتقد الشامان بأنّ الروح واحدة، في جميع المخلوقات بما فيها الإنسان، وإنّما تأكل الكائنات أجساد بعضها لكنّ الروح تتمارج وتتمازج ويعود الميت بجسد جديد مختلف، فقد يموت الإنسان ليولد حيواناً يحرّره الإنسان بأكله من جديد، وقد يموت الحيوان فيولد إنساناً يعيش بين البشر كواحد منهم، ولربّما تفوّق فصار زعيماً عليهم يسلك بهم دروب النجاة.
 
يكره الشامان الظلم، ويرون أنّ التسلية بحيوات الكائنات الأخرى ظلم من نوع قد يُغضب الروح العظمى “ك إيلّا”، ورغم وجوب أكل اللّحم والنبات على السواء في مفاهيم الشامان، كي تستمرّ عمليه دوران الروح وولادتها من جديد، لكنّهم يرون أن الإسراف بالصيد والقتل ظلم للحياة، فلا يجب على العائلة أن تقتل أكثر من حاجتها للنجاة، ولا يجوز تقييد حياة الحيوانات بأيّ شكل كان، لذا امتنعت أغلب شعوب الشامان عن تدجين واستئناس الحيوانات، بل عاشت بينها بانسجام تام.
 
هذه المبادئ في الديانة الشامانيّة منعت الشامان من تأسيس المدن والمجتمعات المستقرّة، كما حرّمت عليهم الزراعة المنظّمة، هذه الفلسفة اختفت سريعاً في مواجهة الامبراطوريّات المدنيّة، خصوصاً بعد الثورة الزراعيّة السومريّة في منطقة المشرق، التي حوّلت الزراعة إلى صناعة مربحة يتراكم فيها فائض الإنتاج. نتيجة لانتشار العالم القشريّ المادّي كما يسمّيه الشامان اختفت الحكمة وابتعد الإنسان عن الروح العظمى وتقلّصت رقعة انتشار الديانة الشامانيّة، فكانت آخر مناطقها هي مناطق المغول قبل غزوهم العالم وتحوّلهم إلى الإسلام خلال القرن ١٣ وكذلك مناطق الإنويت في أميركا الشماليّة التي قضى عليهم الانتشار الأوروبي فتحوّل كثير منهم إلى المسيحيّة ما بين القرنين ١٥ و١٨، ولم يبق منهم اليوم سوى مجتمعات صغيرة في مناطق نائية باردة شمال كندا وآلاسكا.
 
توقّف اعتبار وانتشار الشامانيّة قبل ١٢٠٠ سنة تقريباً (القرن التاسع) ثمّ بدأت بالانحسار والتراجع. لم يكن للشامانيّة مدينة مركزيّة كبقية الأديان تقليدياً ولكن كانت مدينة بخارى في أوزبكستان اليوم، تُعتبر أهمّ المرجعيّات الدينيّة الشامانيّة قبل إسلامها. اليوم تحوّلت الشامانيّة إلى مدارس فكريّة تحتويها الأديان المختلفة، ولم تعد ديانة عالميّة مستقلّة بحدّ ذاتها، حيث انفصلت مذاهبها إلى مدرستين:
الشامانيّة الحديثة أو الطوطميّة: منتشرة اليوم في ماليزيا وغينيا وأفريقيا وإندونيسيا وبين السكّان الأصليّين من الأمريكيّين والأستراليّين، ويمكن العثور عليها في المسيحية واليهودية والبوذية وبعض مذاهب الإسلام وبعض مذاهب الهندوسيّة.
الإحيائيّة أو الأنيميّة: منتشرة اليوم في الصين والهند واليابان وافريقيا وبكثافة أقل في بقيّة العالم، ويمكن العثور عليها في الشنتو والهندوسية وديانة وحدة الوجود والسيخية وديانة الوثنية الجديدة.
 
خريطة الديانة الشامانيّة
خريطة الديانة الشامانيّة

الخريطة التالية توضح انتشار مدارس الشامانية في العالم اليوم:

اللون الأحمر حيث تنتشر الشامانية القديمة التقليديّة.
اللون الأخضر حيث تنتشر الإحيائية الأنيميّة التقليدية.
اللون الأصفر حيث تنتشر مدارس حديثة من الشامانية والإحيائية.
اللون الأبيض أراض لم يصلها الإنسان قبل ١٢٠٠ سنة، تاريخ توقّف انتشار الشامانيّة.
مؤنس بخاري، برلين

Advertisements