عاهة دائمة

خجلاً من المعتقلين والشهداء والثوّار داخل سوريا، لم أعتد الكتابة أو الحديث عمّا أصابني في سوريا قبل مغادرتها، لم أجد نفسي يوماً في حاجة لإخبار أحد حتّى من عمل معي من النشطاء والصحفيّين، قلّة من الناس حولي عرفت تفاصيلاً لاحتكاكهم المستمرّ بحياتي. لكن وكثرة الاتهامات تجرحني، وأقساها تلك التي تتّهمني باللامبالاة اتجاه ما يصيب الأهل في سوريا كلها، كوني، في رأيهم، ما عانيت ولا قاسيت كغيري.

أكشف هنا تفصيلاً واحداً يعكّر حياتي باستمرار، ويذكّرني كلّ يوم بشكل سوريا قبل 2012، ولن أزيد تفاصيلاً أكثر اعتذاراً مسبقاً من المتسائلين. لكنّي سأسرد حكاية ألم في جسدي لم أزل أعانيه منذ خمس سنوات ولن ينطفئ.

في سوريا وقبل التصوير الفوتوغرافي كنت أرسم، درست الفنون وأقمت عدة معارض فنيّة في مراكز ثقافيّة، لوحاتي التي بقيت ذهبت احتراقاً مع بيت أهلي الّذي تمّ تدميره مع تدمير الحي بالمجمل في داريّا غرب دمشق. لكن قبل احتراق وخراب لوحاتي فقدت قدرتي على الرسم منذ سنة 2011. في ذلك العام تعرّضت للمساءلة والتحقيق في أفرع أمنيّة عدّة مرات بسبب نشاطي المدنيّ خدمة لثورة الكرامة، في إحدى هذه المرات غُرست إلكترودات صغيرة في رؤوس أصابع يدي اليمنى تحت الأظافر، وتم تمرير الكهرباء فيها عدة مرات ما سبب ألماً مبرّحاً لا أنساه، يؤلمني عظم يدي من الداخل في كلّ مرّة أتذكّر الموضوع. هذا التعذيب سبّب لي ألما مستمرّاً ودائماً في معصم يدي لن يذهب مع الوقت، أي عاهة دائمة، هذا الألم يزداد وتيرة إن استخدمت يدي للكتابة أو الرسم، وسبق أن حاولت الرسم عدة مرّات فرسمت ثلاث رسومات خلال السنوات الخمس الماضية، عانيت ليلة أو ليلتين من الألم المبرّح بعد كلّ واحدة منها. باختصار، فقدت قدرتي على استخدام يدي اليمنى لأي نشاط يحتاج تركيزاً كالكتابة والرسم وعزف الموسيقى، خسرت ما كان مصدر البهجة في حياتي ومنذ طفولتي.

حين وصلت إلى الأردن هارباً من سوريا كانت حال يدي حالاً مزرية وبشدّة، لم أستطع حتى ثني أصابعي، وكانت يدي متورّمة ملتهبة، أقل لمسة تسبّب لي ألماً يدفعني للصراخ. عولجتُ في عمّان، وتمّ إنقاذ يدي. كنت وحيداً شديد الخوف آنذاك فلم أخبر أحداً، ولم أخبر الطبيب حتى بمسبّب الإصابة رغم جهده بالاستفسار، كان آب/رمضان 2011 وكانت قلّة من الناس تعرف ماذا يحدث في سوريا.

أُنقذتْ يدي، لكنّي خسرت متعة لا يزنها أغلبكم اليوم، خسرت متعة قلم الرصاص ونقر أوتار الكيتار ومتعة إسناد رأسي بيدي اليمنى، ببساطة. خسرت ممارسة ما درسته من الفنّ فاكتفيت بالتصوير الفوتوغرافي بدلاً عن التصوير بالألوان والأحبار والأقلام. خسرت الكتابة بالقلم على ورقٍ فعوضت خسارتي باستخدام الأجهزة المعاصرة للكتابة… وأنا صحفيّ رفيقي القلم.

أعتذر من أمّي التي ستفاجئها هذه الحكاية للمرّة الأولى وعبر فيسبوك، وأعتذر من أهلي ممّن لم أخبرهم قبلاً بأيّ تفاصيل قد “تكركب” حياتهم.

قبل كيل الاتهامات يا أصدقائي، رجائي فيكم أن لا تجرّحوا، فليس فينا من يعلم تفاصيل حياة الآخر ولا ماضيه، وطيلة خمس سنوات لم أشعر يوماً برغبة للحديث عن تفاصيل الماضي ومآسيه لإدراكي أن كلّ منا خسر كمثلي وأكثر، فلا وزن لخسارتي بينكم، والله عوضنا عن الأمس بالغد.

مؤنس بخاري، برلين

Advertisements