مصوَّر بانورامي لمصر الدنيا وقناة السويس الاصطناعية

مصوَّر بانورامي لمصر الدنيا وقناة السويس الاصطناعية من رسم سيزار فيمركاتي Cesare Vimercati سنة ١٨٦٩
مصوَّر بانورامي لمصر الدنيا وقناة السويس الاصطناعية من رسم سيزار فيمركاتي Cesare Vimercati سنة ١٨٦٩، الذي رسمه ونشره كلوحة جداريّة من ست قطع، في توسكانا الإيطاليّة.
 
تُعتبر قناة السويس أسرع ممر بحري بين قارّتيّ أوروبا وآسيا، تسمح بمرور السفن بالاتجاهين في وقت واحد، ويمرّ عبرها ما بين ٨٪ إلى ١٢٪ من حجم التجارة العالميّة، وتبلغ إيراداتها حوالي ٢ مليار و٢٠٠ مليون دولار أميركي.
 
مصوَّر بانورامي لمصر الدنيا وقناة السويس الاصطناعية من رسم سيزار فيمركاتي Cesare Vimercati سنة ١٨٦٩
مصوَّر بانورامي لمصر الدنيا وقناة السويس الاصطناعية من رسم سيزار فيمركاتي Cesare Vimercati سنة ١٨٦٩

بدأت فكرة إنشاء قناة السويس عام ٢٨٦ قبل الميلاد، حين اقترح الحاكم البطلمي فيلاديلفيوس شقّ قناة مباشرة عبر البرزخ البري الفاصل بين السويس والبحر المتوسط، للوصل بين البحرين بدون المرور بالنيل. غير أنّه اضّطر للتخلّي عن فكرته لأنّ الناس كانت تعتقد حينها أن مياه البحر الأحمر أعلى من مياه المتوسط، وأنّ مثل هذه القناة ستتسبّب بطوفان يُغرق البلاد كلها.

 
عام ١٥٠٤ اقترح البنادقة على سلطان مصر المملوكي الغوري شقّ القناة لوصل البحرين الأبيض والأحمر، بغية السيطرة على تجارة التوابل، لكن لم تسمح الظروف السياسيّة المصريّة بإطلاق المشروع، وكان الناس قد ثاروا على الظلم وفساد طبقة الإقطاع الشركس.
 
خلال القرن السادس عشر اقترح والي مصر على السلطان العثماني سليم الثاني حفر القناة للوصول من البحر الأحمر إلى المتوسط عبر برزخ السويس، لتسهيل حركة الشحن أمام الأسطول العثماني. أُعجب السلطان سارو بالفكرة لكنّ الصعوبات والتكاليف الباهظة إضافة إلى الاضطرابات السياسيّة المصريّة أثنته عن المشروع.
 
ثم تكرّرت فكرة شقّ القناة أثناء الاحتلال الفرنسيّ لمصر الذي حضر أساساً بغية تنفيذ مشروعها عام ١٧٩٨، حاول نابليون شقّ القناة بأمر من حكومة الديركتوار التي كانت تحكم فرنسا، ثمّ توقّف سنة ١٧٩٩ بسبب تقرير علمي جغرافي خاطئ.
 
ثمّ تكرّر طرح الفكرة سنة ١٨٣٣ من قبل جماعة السان سيمونيّون على المهندس الفرنسي فرديناند دي لسبس، نائب القنصل الفرنسي في مصر، الذي نجح أخيراً عام ١٨٥٤ بإقناع خديوي مصر محمّد سعيد باشا برجاحة المشروع، وحصل على موافقة الباب العالي العثماني، بعد أن كان قد رفضه محمد علي باشا بسبب رفض فرنسا ضمان حياديّة القناة، ولتفضيله إنشاء قناطر على النيل لمنع إهدار ماء النيل في البحر، في ذلك الوقت.
 
أمّا ما بين الرفض والقبول، ففي عام ١٨٤٨ وضع المهندس الفرنسي لينان دى بلفون بك، والذي كان يعمل مهندساً بالحكومة المصريّة، مشروعاً لشق القناة وأزال التخوّف السائد من علوّ منسوب مياه البحر الأحمر على البحر المتوسط وأكّد أنّ ذلك لا ضرر منه بل على العكس سوف يساعد على حفر القناة.
 
في ١٨٤٦ أنشأ السان سيمونيّون في باريس جمعية لدراسات قناة السويس وأصدر المهندس الفرنسي بولان تالابو تقريراً في أواخر عام ١٨٤٧ مبنيّاً على تقرير لينان دى بلفون أكّد فيه إمكانية حفر قناة تصل بين البحرين دون حدوث أى طغيان بحرى.
 
في أوائل عام ١٨٦٠ بلغ عدد العمال ١٧٠٠ عامل ولم يكن ذلك العدد كافياً على الإطلاق فقامت الشركة بتشكيل لجنة لجمع العمّال وخاصّة من منطقة بحيرة المنزلة، وواجهت كذلك مشكلة مياه الشرب فقامت باستيراد ثلاث مكثّفات لتحلية مياه البحر.
 
في عام ١٨٦١ ركّزت الشركة على إنشاء ميناء مدينة بورسعيد، فأقامت منارة لإرشاد السفن وجسراً يمتدّ من البحر إلى الشاطئ لتفريغ شحنات السفن والمعدّات اللّازمة للحفر، وأنشأت أيضاً حوضاً للميناء وأقامت الورش الميكانيكيّة مثل الحدادة والخراطة والنجارة، وأقامت مصنعاً للطوب. وكانت الشركة ما زالت تواجه مشكلة نقص مياه الشرب فاتّفقت مع السيد محمد الجيار صاحب مراكب الصيد على نقل مياه الشرب من المطريّة إلى بورسعيد.
 
في أواخر عام ١٨٦١ قام الخديوى بزيارة مناطق الحفر بجوار بحيرة التمساح واختار موقع المدينة التي ستنشأ بعد ذلك، والتي حملت اسم الإسماعيليّة. كان الخديويّ إسماعيل قد تولّى حكم مصر في يناير ١٨٦٣ وتحمّس للمشروع ولذلك أنشأ محافظة القنال برئاسة إسماعيل حمدى بك.
 
وبسبب كثرة العمّال وعدم وجود رعاية صحيّة كافية، انتشر أكثر من وباء بين العمّال قضى على كثير منهم، ومن أشهر هذه الأوبئة كان الكوليرا ١٨٦٥ والجدرى في أواخر ١٨٦٦.
 
فى ١٥ آب أغسطس ١٨٦٩ ضُربت الفأس الأخيرة في حفر القناة وتمّ اتّصال مياه البحرين في منطقة الشلوفة.
 
استغرق حفر القناة عشر سنوات، أكلت خلالها جهد مليون عامل مصري وحياوات مئة وخمس وعشرين ألف منهم قضوا أثناء الحفر نتيجة الأمراض وضربات الشمس وظروف العمل القاسية.
 
افتُتحت القناة نهاية ١٨٦٩ ثمّ أمّمتها حكومة جمال عبد الناصر عام ١٩٥٦ ما دفع بريطانيا وفرنسا وإسرائيل إلى إعلان الحرب على مصر بما يعرف بالعدوان الثلاثي، الذي فشل تحت ضغوط دوليّة.
مؤنس بخاري، برلين

Advertisements