وجيهة عبد الحق

Damascus Piano

تذكر ويكيبيديا باقتضاب امرأة دمشقيّة متميزة في عالم الموسيقى وتاريخ الآلات الموسيقية، شغلت المؤتمرات والمجتمعات الموسيقية حول العالم من خلال إعادة صناعة أدوات موسيقية وتريّة منقرضة واختراع أدوات جديدة، ومنذ سن مبكر.

نبحث عن اسمها على ويكيبيديا فنعثر على السطرين التاليين لا أكثر، لكن في هذين السطرين ما يفتح أبواباً لا تغلقها ليلة مع جوجل: وجيهة عبد الحق فنانة موسيقية وعالمة سورية في مجال الموسيقى، لها العديد من الابحاث في مجالات الموسيقى، وهي أستاذ محاضرة في مؤسسات دولية، ومخترعة بارعة ومتميزة عالميآ في مجال الموسيقى.
قامت الدكتورة وجيهة عبد الحق بأختراعات في مجال الموسيقى منها اختراعها البيانو المسمى قيثارة دمشق المسجلة دولياً تحت اسم البيانو الدولي، وكذلك اختراعها الأورغان المتطور المسجل عالميآ تحت اسم اورغ اليونيسكو العالمي.

فمن هي وجيهة عبد الحق؟ ولماذا لا نعرفها نحن الدمشقيين كما لم يسمع بها بقية السوريين؟ هذا ما شغلني أمس ودفعني للبحث والكتابة عنها، علّنا نتعرف على هذه العالمة الفذّة في المجتمع الموسيقي حول العالم.

في بداية الستينات، وبعد أن حصلت وجيهة عبدالحق على ليسانس العلوم الموسيقية انتقلت الى أكاديميّة “سانتا شيشيليا” في روما لتتابع تحصيلها العالي وتتخصّص في أصعب فروع الموسيقى وهو “علم الموسيقى”. فوجئت وجيهة بجهل الأوساط الأكاديمية الأوروبية بالموسيقى العربية رغم عراقتها، فبدأت رحلتها مع البحث عن أصول هذه الموسيقى وبدأت رحلة طويلة بين أربعة عشر بلداً عربيّاً. زارت المدن والأرياف والجبال والسواحل والمراكز والمؤسسات والمتاحف الأثرية والمعارض الفنية. واستطاعت جمع وتسجيل ثلاثة آلاف وثيقة علمية منها تسجيلات للألحان والأغاني إضافة الى مجموعة من الحلي والأزياء وآلات الموسيقى. وجمعت هذه الثروة في أربعمئة شريط مدتها مئتا ساعة صوتية مختارة. أما الوثائق الأخرى فهي مجموعة من أشرطة سينمائية فوتوغرافية صورتها بنفسها ويمكن اعتبارها أساساً مرئياً لتفهم البيئة التي أحاطت بالموسيقى التقليدية العربيّة منذ القدم حتى الآن، كما جمعت خمساً وعشرين آلة موسيقية عربية متميزة ونادرة ومجموعة كبيرة من الحلي وعدداً كبيراً من المؤلفات التاريخية والفنية العربية تصل الى سبعين مؤلفاً.

أودعت هذه الوثائق المهمّة أكاديميّة روما الموسيقيّة. ولدى العالم الموسيقي دييغ كريتلا مدير المعهد تاريخ التقاليد الشعبية في روما الذي قال عن العمل أنه مساهمة كبيرة للتوثيق والمعرفة العلمية بالموسيقى العربية ويشكل مادة ثمينة للمقارنة بين الموسيقى الشرقية والموسيقى الغربية.

تالياً حاولت الدكتورة وجيهة عبدالحق مع أخويها وعلى نفقتها الخاصة استنباط بيانو عربي للموسيقى الشرقية أطلقت عليه اسم (قيثارة دمشق) الذي يحلّ مشكلة “ربع الصوت” في الموسيقى العربية، تمّ عرضه في قصر اليونيسكو بباريس يوم 19 نوفمبر 1974 برعاية الأب يوسف خوري، مدير المعهد الوطني للموسيقى في لبنان، ورئيس لجنة الإنتاج الموسيقي في المجمع العربي للموسيقى وقتئذ، وقد افتتحت وجيهة عبدالحق العرض بمعزوفات عربية تراثية. ثم في مؤتمر بغداد الدولي الموسيقي عام 1975، قدّمت الباحثة السوريّة وجيهة عبد الحق آلة وترية صغيرة عُرفت بألة العود اليماني أو العود الصنعاني (القمبوص)، ويُعتبر من الآلات المنقرضة حالياً.

عَوداً على قيثارة دمشق، استقطب هذا البيانو الشرقي معظم الموسيقيين أمثال الراحل عاصي الرحباني ومنصور وزياد الرحباني مع فيروز الذين زاروها في دمشق للإطلاع على تلك الآلة الموسيقية. وعزف زياد الرحباني على “قيثارة دمشق” لحن “سألوني الناس”، وعزف الياس ومنصور “شيء مدهش” وقال الياس “انها حدث مهم من الأحداث الكبيرة في تاريخ الموسيقى العربية”. وقال منصور “نحن على استعداد لشراء أول نسخة تصنع من هذه القيثارة بعد نسخة التجربة لأن هذه الآلة تخدم ألحاننا كثيراً. وعقّب الياس “للمرة الأولى في تاريخ الموسيقى نجد آلة موسيقية ثابتة مثل هذا البيانو تحمل أرباع الصوت”، “لا شك في ان هذه الآلة ستحدث ثورة في عالم الموسيقى وستخلق طابعاً جديداً أكثر غنى وأدق تعبيراً من الموسيقى العالمية الماضية، وعلى سبيل المثال: إذا كان زرياب الذي زاد وتراً في العود جعل الموسيقى العربية تتقدّم خطوات سريعة ومهمة في الأندلس فكيف وقيثارة دمشق التي تملك من إمكانات عشرات أضعاف وتر زرياب”.

تالياً قدمت اختراعها الجديد “أورغ اليونيسكو” الذي حققته الدكتورة عبدالحق بعد “قيثارة دمشق” وذلك انطلاقاً من المبدأ الذي حققت به البيانو وهو يضم ميزات “قيثارة دمشق” إضافة الى مميزات اخرى مثل: عزف السلالم الغربية والمقامات العربية والشرقية وإعطاء توافق “اكورد” غربي أو عربي في يد واحدة وفي آن واحد ومكوّن من نغمات عدة.

وجيهة عبدالحق الموسيقية التي تأسر من حولها بعزف البيانو أسرت أسرتها بحبّ غامر وبصرامة تربوية حميمة، صرامة أمّ من خارج السرب. نستشف رومنسية وجيهة مما كتبته فيها ابنتها فيروز التي تقول “ليس سهلا أن تكون أمك امرأة رومنسية، فتعريف السعادة كما رأيتها في طفولتي هو: فنجانَيّ قهوة صباحيّين كسولين في السرير وسط القراءات المتمتعة صباح جمعة. تلك الصباحات، وقبل أن أفتح عينيّ بكثير، كنت أسمعها وأبي يتبادلان قراءة أشياء أحبّاها أو يتناقشان حولها. حين أفكّر الآن بتعريف خاص بي للسعادة أو الحبّ، لا أجد سوى: فنجاني قهوة صباحيين كسولين في السرير وسط قراءات صباح جمعة، فأجتر هزائمي أمام نجاحاتها. مُحرج للغاية أن يكون لك أمّ لا تستطيع مجاراتها في القراءة ولا في الواقعية ولا في الخيال ولا في الطاقة. فتبدو يمينيّاً أمام آرائها السياسيّة الصارمة، وتبدو متخلّفاً وهي تبهدلك لا لأنّك لا تتّصل بها، ولا لأنك لم تحضر عرس قريبك، بل لأنك لا تعرف الحد الأدنى للأجور ولم تسمع تصريحات وزير التربية الأخيرة وتخربش في اسم وزير الخارجية. وليس سهلاٌ أن تكون أمّك امرأة عنيدة، فوسط انهزاماتي المتكررة أمام عناد ولديّ، لا أستطيع إلا أن أتذكّر كيف كانت تصفّنا أنا وإخوتي قبل أن تنطلق لعملها صباحاً، نقف صفاً واحداً ممسكين بأكواب حليب بداخلها بيضة نيّئة مفقوسة، وتقف هي أمامنا لا تحرّك ساكناً ولا تنطق بكلمة إلى أن نشرب ذلك الشيء”.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مؤنس بخاري – برلين

Advertisements