يوم كانت دمشق

لوحة استقبال السفراء في دمشق، رسم سنة ١٥١١ ومن مقتنيات متحف اللوفر في باريس، ونشاهد فيها السفراء متجمهرين عند الباب الصغير جنوب سور دمشق بأزياء آسوية وأوروبية وإفريقية.

كلّ المدن التي تقع على الخطوط التجارية القديمة تخالطت فيها الأعراق والمنابت حتى صارت مزيجاً أثراها ونوّع أشكال وطباع أهلها، كما يحدث اليوم في نيويورك وبرلين ولندن، وأكثر من تخالط في المدن القديمة هم سكّان دمشق، المدينة التي كانت السوق الأساسيّة على طريق الحرير، كالعقدة التجاريّة الدوليّة التي لم تعبر بضاعة شرقاً ولا غرباً قبل القرن التاسع عشر دون المرور في أسواقها.

دمشق التي أرسل التجّار أبناءهم إليها من كلّ أرجاء طريق الحرير القديم كي يستقرّوا ويكونوا رعاة على مصالح العائلة التجارية وأشغالهم في المدينة، وأرسل إليها أهل الأندلس أبناءهم وبناتهم كي يدرسوا في مدارسها ويتقنوا فيها لهجتها، وأرسل إليها أهل القفقاس والبولغار واليونان والبلقان أبناءهم كي يتعلّموا أصول الإسلام والمسيحيّة فيها، وفي القرنين السابع عشر والثامن عشر هاجر إليها الشباب من كلّ أرجاء العثمانية ووسط آسيا وشرق أوروبا وشرق إفريقيا وشمال غربها، بحثاً عن عمل وفرصٍ لحياة أفضل، بسبب ثراءها.

كلّ هؤلاء استقرّوا في دمشق وقرى غوطتيها وتخالطوا فيها واختلطوا بأهلها، وساهموا بتراثهم وعاداتهم، وقدّموا أمزجة أطعمتهم وكلماتهم، فصارت دمشق ثريّة فريدة بتراثها الموسيقي، ولهجات أهلها، ووصفات مطبخها. دمشق بغوطتيها كانت مساحة اختلاط وامتزاج أوسع من العالم كلّه، يوم كانت أوروبا تتقاتل على طوائفها وأموال ضرائبها وألوان عيون الأمراء فيها.

والبخاريّة كمثال صنف ممّن هاجر إلى دمشق من وسط آسيا على عادات طريق الحرير التجارية، سكنوها منذ ثلاث قرون مبتدئين بحيّ الأُزبكيّة، سيّما بعد إيمان النقشبنديّة بمكان يسجّله الله في الجنّة لمن يبني زاوية أو مدرسة أو مسجداً في دمشق، وجلّ البخارية كانوا نقشبنديّة، فصار أمراء القارلوق الشيبانيّة يرسلون من أبناءهم من يبني ويدير الأوقاف البخاريّة في دمشق طمعاً بقصور الجنّة وأراضيها، آملين بغفران الذنوب وبمسحها عن سجلات دنياهم.

دمشق كانت أوسع الأرض وبقلبٍ أكبر من قلوبنا بكثير، تستقبل المهاجرين والنازحين من كلّ الأرض، لا تصنّفهم ولا تلفظهم على شوارعها، لا يقسمها سورٌ ولا ينقصها خير، يتباهى أهلها ويتسابقون بمدّ يد الخير. كان يكفي أن تشرب من ماء دمشق أربعين يوماً حتّى يعتبرك أهلها شاميّاً منهم وفيهم، لك ما لهم وعليك ما عليهم، تندمج فيهم ما اندمجوا فيك، لا تعنصرهم أرقام السجل المدنيّ ولا لهجات الألسن، هكذا كانت، ما جعل في أهلها من كلّ الملل والنحل، تستوعب الكلّ ويحبّها الجميع.

ـــــــــــــــــــــــــــــــ

مؤنس بخاري، باينه

الصورة: لوحة استقبال السفراء في دمشق، رسم سنة ١٥١١ ومن مقتنيات متحف اللوفر في باريس، ونشاهد فيها السفراء متجمهرين عند الباب الصغير جنوب سور دمشق بأزياء آسوية وأوروبية وإفريقية.

Advertisements